يجب على الإنسان أن يعيش فترة في الولايات المتحدة حتى يستطيع أن يلمس ما يسمى بـ "النفاق السياسي", وهو إصطلاح يسمعه المـقيم هنا بشكل مستمر, من الأمريكيين أنفسهم, خصوصا عندما يدور نقاش سياسي, وإذا كان هذا النقاش يتعلق بأعضاء الكونغرس الأمريكي, أو الادارة الأمريكية, أو غيرهم من أصحاب المناصب العليا في الولايات المتحدة.
وقد تعودنا, نحن العرب, أن ننظر إلى المواقف المزدوجة للسياسيين الأمريكيين, من منطلق الصراع العربي ـ الإسرائيلي, في حين أن هذه المواقف تواكب السياسيين الأمريكيين في معظم مواقفهم معتبرين أن هذه "حذاقة سياسية أو دبلوماسية" في حين انها ليست كذلك لأنها تلحق الضرر بالآخرين, وتزرع الشكوك في صدقية مواقف السياسيين الأمريكيين. وقد يقول البعض ان مثل هذه المواقف تنطبق على السياسيين عامة, وقد يكون في ذلك كثير من الصواب, ولكن مواقف السياسيين الأمريكيين "تتمتع" بتفوق ملموس جدا .
ويكثر هذا "النفاق السياسي" خاصة في الفترة الانتخابية, بغض النظر عما إذا كانت انتخابات للكونغرس أو للرئاسة, أو لمناصب رفيعة أخرى, على غرار حاكم لولاية, أو رئيس لبلدية في مدينة مهمة. والأمثلة كثيرة على ذلك. ولكن المهم, أن هناك من يدفع ثمن هذا "النفاق السياسي" لأنه عادة يكون على حساب مجموعة دون أخرى, أو شعب دون آخر, أو طائفة دون أخرى.
ففي الحملة الانتخابية الحالية, التي لم تصل إلى قمتها بعد, تظهر صور واضحة لهذا التصرف, فمثلا نرى مرشح الحزب الديمقراطي لرئاسة الجمهورية, آل غور, يتخذ مواقف مع مجموعة ضد أخرى, وذلك من أجل دعم حملته الانتخابية, ماديا وشعبيا , ففي خطاب ألقاه يوم 6/2/2000, أمام قادة الجالية اليهودية في مدينة نيويورك, قال آل غور "ان رغبتي تتطابق مع رغباتكم". وكان واضحا انه يريد أن يقنعهم بدعمه, على حساب العرب بشكل عام والفلسطينيين بشكل خاص, خصوصا عندما يأتي هذا القول في أعقاب طرح اسئلة عليه حول نقل السفارة الأمريكية من تل ـ أبيب إلى القدس المحتلة, وحول موضوع القدس نفسه, وحول إقامة دولة فلسطينية, وغيرها من الأسئلة التي لها علاقة بالصراع العربي ـ الإسرائيلي.
وقام آل غور باتخاذ موقف يتناقض مع موقف حزبه الديمقراطي, وموقف الادارة التي ينتمي إليها, وحتى مع موقفه الأخلاقي بالنسبة لـ"ترابط العائلة" كان ذلك فيما يتعلق بموضع الطفل الكوبي, إليان غونزاليس. فقد اتخذ غور موقفا داعما لموقف عائلة غونزاليس, الداعي إلى الفصل بين الطفل ووالده الشرعي, في حين أيد قادة الحزب الديمقراطي ضم الطفل إلى والده, وعملت وزارة العدل على ارجاع هذا الطفل إلى أحضان الوالد الذي حضر خصيصا من كوبا لاسترجاع طفله, كل هذا من أجل الحصول على دعم من الجالية الكوبية الأمريكية, المتمركزة بأكثريتها في ولاية فلوريدا, هذه الولاية التي يعتقد غور انها لن تصوت له, لأن حاكمها هو شقيق منافسه, جورج بوش الابن.
ويحاول غور التهرب من مواجهة الأسئلة حول موقفه هذا, فمنذ أن أعلن دعمه للجالية الكوبية, وهو يحاول التهرب من مواجهة الجمهور, لا على البرامج الاذاعية أو التلفزيونية, ولا في مناسبات شعبية. فقد تغيب غور عن عشاء لجمع التبرعات لحملته الانتخابية, أقيم في مدينة ميامي, بولاية فلوريدا بعد عملية انتزاع الطفل إليان من أقاربه, وتسليمه إلى والده.
واعترف جون ماكين, الذي انسحب من السباق على ترشيح الحزب الجمهوري له لرئاسة الجمهورية, بعد أن خسر أمام المتسابق, جورج بوش الابن, اعترف في لقاء تلفزيوني, انه أيد رفع العلم الكونفدرالي (وهو العلم الذي كانت ترفعه الولايات الجنوبية الأمريكية في الحرب الأهلية التي كان سببها مسألة "تحرير العبيد" التي تبنتها الولايات الشمالية. ويعتبر هذا العلم علما انفصاليا حيث ان الجنوب في تلك الحرب أراد الانفصال عن الشمال وعلم عنصري بسبب طبيعة تلك الحرب) فوق مبنى الكابتول في ولاية ساوث كالوراينا, لأنه أراد استدرار عطف الناخب في تلك الولاية, وليس لأنه موافق على ذلك, وأضاف أنه في الواقع يعارض رفع العلم الكونفدرالي على أية بناية في أي مكان في الولايات المتحدة.
وكان من عادة السيدة الأمريكية الأولى, هيلاري كلينتون, أن تكون ضيفة الشرف في الاحتفال السنوي الذي تقيمه "مؤسسة موزايك" وهي مؤسسة خيرية عربية أمريكية, تتبناها نساء السفراء العرب في واشنطن, حيث يقام احتفال عربي, تتخلله عروض أزياء شعبية عربية, ورقصات فولوكلورية من العالم العربي وأطباق طعام من مختلف الدول العربية وغيرها من النشاطات. ويذهب ريع هذا الاحتفال إلى الأعمال الخيرية.
وكانت المنظمات الصهيونية تشن دائما حملة ضد هذه المؤسسة العربية, وفي أكثر من مرة طلبت من السيدة كلينتون أن لا تشارك فيها, إلا ان السيدة الأولى ضربت بذلك عرض الحائط.
أما هذه السنة فيبدو ان الأمر مختلف عن السنين السابقة, ليس فقط أن هيلاري كلينتون سحبت اسمها, بعد أن وزعت المؤسسة الدعوات, بل طلبت من القائمين على المؤسسة, أن يعلنوا رسميا , أثناء انعقاد الأمسية يوم الثالث من آيار ـ مايو الجاري عن سحب اسمها, وقد علقت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية في عددها يوم 19/4/2000 على ذلك بقولها: "لقد استطاعت هيلاري رودهوم كلينتون, أن تمنع أزمة جديدة مع الجالية اليهودية في نيويورك, وذلك عندما أعلنت في نهاية الأسبوع, بأنها ألغت مشاركتها كرئيسة فخرية لاحتفال مؤسسة خيرية عربية ـ أمريكية, لأنها لم توجه دعوة إلى ممثلين اسرائيليين, وكانت السيدة الأولى تدعم منذ سنوات أعمال خيرية لمنظمة اسمها "مؤسسة موزايك" وتقول في البيان الذي أصدرته, انه عندما علمت ان ممثلين عن السفارة الإسرائيلية لم توجه لهم دعوات قررت الغاء مشاركتها في هذا الاحتفال. وتضيف الصحيفة: ان كلينتون يحاول الحصول على الأصوات اليهودية في الانتخابات إلى مجلس الشيوخ, ولهذا فإنها الآن تحاول جاهدة جذب الجمهور اليهودي الذي يشكل 12 بالمائة من عدد سكان ولاية نيويورك, وذلك بعد عدة عثرات واجهتها, من أشهرها احتضان سهى عرفات في أعقاب الخطاب الذي اتهمت فيه اسرائيل بأنها تقوم بتسميم مياه الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. وكانت السيدة كلينتون استضافت في عام 1998 المسؤولات في هذه المنظمة في البيت الأبيض, كما شاركت في العام الماضي بهذا المؤتمر, دون دعوة مسؤولين من السفارة الإسرائيلية, وقد علق هذا الموقف, منافسها على مقعد مجلس الشيوخ, رئيس بلدية نيويورك الجمهوري, رودولف جولياني بقوله: "هذه خطوة سياسية واضحة" أي انها نفاق سياسي.
كل الأمثلة السابقة تشير إلى ان السياسي الأمريكي ينظر أولا وقبل كل شيء إلى مصالحه الشخصية, وهو أمر مقبول في الصراعات الحزبية والسياسية, وقد يوافق عليه الكثيرون على اعتبار انه نوع من الحذاقة السياسية. ولكن عندما يتناقض موقف هذا الشخص مع مبادئ انسانية واجتماعية كان ينادي بها طيلة الوقت, فإن ذلك يعتبر "نفاقا سياسيا ".