ما أشد الاختلاف بين الأساليب التي ننتهجها لتعليم أبنائنا قيمنا وعاداتنا وتعاليم ديننا .. وبين الأساليب التي ينتهجها الآخرون !
كي أقرّب إليكم مقصدي أضرب لكم مثلاً .. قارنوا معي بين هاتين الصورتين والمسوا الفرق بأنفسكم:
في المسلسل الدرامي السوري "باب الحارة" - كما في غيره من المسلسلات السورية المشابهة في حقبتها التاريخية - جهد كاتبه لتبيان مساوئ كل ما يخالف العرف الجميل أو الدين حد التضخيم كي ينفرنا منها .. انظر- مثلاً - كيف أظهر قباحة نتائج الطلاق اجتماعياً، جعل من الطلاق عيباً كبيراً - بمثابة الجُرم - يستتر صاحبه عن أعين الناس بسببه "رغم أنه من حقه شرعاً"، ولكنه فاقم نتائجه ليقول للباقين إن عليهم - وعليهن - أن يفكروا مليون مرة قبل السعي لكلمة "أنت طالق" وتخريب البيوت .. وانظر كيف جعل من طاعة الأبناء للوالدين طاعة عمياء يجللها الاحترام، ينفذ الأبناء أوامر الآباء والأمهات بدون تردد أو تذمر، حتى ولو كانت ضد مصلحتهم !
وانظر كيف رسخ أخلاقيات التعامل المحترم مع النساء كغض النظر عند التعامل معهن وأصول الحديث معهن وأظهر هذا كسلوكيات راقية هي من نسيج المجتمع يمارسونها برجولة بلا تذمر أو تأفف .. هل رأيت كيف جعل من عدم "نحنحة" الجار، قبل أن يصعد إلى سطح بيته ويكشف ساحة بيت جاره، مشكلة كبيرة ثارت لأجلها الحارة بأكملها باعتبارها خرقاً لستر الجار وكشف حريمه ؟
قارن - يا رعاك الله - بين هذا الموقف وبين درس "النحنحة" الساخر الذي أعطاه الأب لابنه المراهق الذي أخطأ ودخل مجلس النساء بدون سابق إنذار (في حلقة من حلقات مسلسل - طاش ما طاش) .. انظر كيف جعلها الكاتب عندنا درساً ساخراً يوحي للشباب بالاستهزاء من قيمتها ومدلولها !
وانظر إلى استغراب الأم وابنها المراهق من تصرفات العمة التي أصرت على حجب ابنتها عنه بعد بلوغها، ومن عدم سماح المجتمع له بدخول مجالس النساء، وملاهي النساء، انظر كيف أيدت استنكار ابنها لهذه الموانع، وكأنها لا تدري أنها من سلوكيات الرجال في مجتمعها، وكأنها تفاجأت بها ولم تتربّ عليها، وبقيت تردد بسذاجة جملتها الغبية "توّه صغير" .. وهي تعرف أنه في سن البلوغ ! ..
كاتب الحلقة هنا لم يهتم ببث رسالة للوالدين بتولي مهمة تنشئة الطفل على مثل هذه الأمور، وشرحها له منذ صغره، ليهيئه لمثل هذه المواقف باكراً، وليعرف أنها من خُلق الرجال، ومن تعاليم الدين والعُرف الأصيل، كي يمارسها بعد بلوغه بفخر معلناً دخوله عالم الرجال .. بل بث بدلاً من ذلك رسالة مفادها أن مثل هذه التنشئة ستجعل من أبنائنا "ذئاباً" !
تكتسب الدراما نجاحها وقيمتها حين تفلح في تعزيز القيم الأصيلة في زمن باتت الأخلاقيات فيه تسير بانحدار مؤسف .. ليت كتّابنا يعون رسالتهم !
**************
al-mefleh@alriyadh.com