الذوق العام.. والخاص!!
من الصعب الفصل بين الذوق الخاص، والعام، وإن كان الأول له حرية الاختيار والتصرف بدون قيود كتوزيع هندسة المنزل الداخلي، وتذوق الأطعمة والأشربة والروائح العطرية ولون الملابس ونوعيتها، وأصوات الموسيقى، والأغاني، وصياغة علاقاتك العامة والخاصة بما تقبله أو ترفضه من الأشياء والناس، وحتى زيارات الأقطار والمدن، لكن هناك حدود معينة لا يجوز فيها كسر الذوق العام، بأن تجعل حريتك فوق الآخرين كأن تصبغ واجهة منزلك باللون الأسود، أو تترك تسربات المياه والمجاري والفضلات تنساب بدون ضوابط الحي وتقاليد الناس، أو أن ترفع صوتك، أو تعلن غضبك واحتجاجك بما يشبه الفوضى، أو تختار الزمن المحرج في زيارة صديق لديه التزامات شخصية أو عائلية، أو تقطع (طابوراً) ما في المصرف، أو الهاتف، أو أي تنظيم يفرض عدم تداخل الناس مع بعضهم أو تسابقهم أمام احتياجات ما، مايعد إخلالاً بالذوق العام..
فالذوق ترتفع نسبته بحجم ثقافة الإنسان ووعيه وتجاربه، وقدرته على إدراك المعنى الجمالي في المكونات الفنية، أو الذوقية، والفرز بين الأشياء، فمثلاً قد يأسرك ترتيب (شقة) صغيرة حوّلها صاحبها إلى تحفة فنية في طلاء الجدران والأثاث وانتقاء الألوان وتمازجها، وتوزيع الإضاءة، واختيار اللوحات، والمجسمات داخل بيئة هذا المنزل، وقد يتفوق ذوقياً على مقتنيات قصر فاقت تكاليفه عدة عمارات..
لقد تسابق مصممو الأزياء والعطور، وهندسة العمارات (وديكورات) المتاحف والمطاعم، والمكاتب على جعل مهنهم ذوقية وضعت المبرزين في منزلة العباقرة ويكفي أن هناك أسماء رسامين ونحاتين جرى تحويل تصاميمهم إلى أعمال إضافية في أي منتج تجاري له صفة فنية معينة..
ومن ينظر إلى التراث الإنساني والآثار العظيمة التي تطوَّر من خلالها ذوق الإنسان وارتفاع ثقافته، وكيف قام بتخطيط المدن والمعابد، والمسارح وغيرها وجعلها أزلية في أشكالها ومضامينها، بحيث لم تفقد قيمتها الجمالية حتى بتقادم تاريخها، وأعمارها الطويلة، تتملكه الدهشة ويعتريه الانبهار..
نحن الآن نرسي جغرافية المدن بشوارعها ومنازلها، وفضائها الداخلي والخارجي، فهل جعلءنا في هذا التأسيس شيئاً من شخصيتنا وتراثنا بحيث تتلاقى أذواقنا الخاصة مع العامة، أم أن البيئة التي نصنعها صارت بدون هوية، حتى التصنيف العالمي للتراث والقيمة التاريخية، شمل مواقع ومدناً أثرية، أكثر مما حاولت كسبه هونغ كونغ، وسنغافورة، ودبي، لأن أحياء القاهرة القديمة أو أثينا، أو أزقة تونس، ومعابد بوذا في الهند وتايلند، وغيرها جاءت بالترتيب الأول، لأن المدينة الحديثة تبقى بلا هوية خاصة، وبالتالي قد تتلاقى مع عدة أذواق، ولكنها لا تتسم بالعراقة والأصالة، التي تجعل منها منشآت أثرية بطابع تلقائي وغير مصطنع..
لا أدري متى يتكامل عندنا الذوق العام لنجد طابع الحياة فنياً يقوم على معمار الشخصية التي يتكامل فيها الحس الإنساني بطبيعة الأشياء ونُحدث نقلة رائعة في السلوك والعلاقة مع المكان والإنسان..