أول الغيث..
"جامعة الملك عبدالله"
د. عبدالله بن إبراهيم الجريفاني
قال البحتري في إحدى قصائده: (وأول الغيث قطرّ ثم ينسكب)، وأنا أقول: إن أول الثورة في مفاهيم التعليم العالي وأنماطه في المملكة العربية السعودية سحاب منهمر بالعلم والمعرفة يسقي نهمنا إلى الرقي والتقدم ومفارقة ذيل القائمة في كل تصنيف عالمي، ويخرجنا من بوتقة الاجترار والاستهلاك والاتباع إلى دائرة الإبداع والابتكار والمشاركة في صناعة المعرفة، نعم إنها سحابة "جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية".
ليس غريباً أن يدرك خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز بثاقب بصره أن نهضة الوطن لن تتم من خلال بناء ناطحات السحاب والمصانع والمشاريع الاقتصادية الكبرى وعقول أبنائه خاوية فارغة، كما لن تتم تلك النهضة الوطنية التي نتغياها ودورنا لا يعدو استيراد التقنية واستهلاكها؛ إذ لا بد من بناء العقل الذي يستطيع أن يدير دفة النهضة والتطور والارتقاء بتمكن واقتدار من خلال ما يمتلك من علم ومعرفة، ومن ثم الوصول إلى مرحلة إنتاج المعرفة وتصديرها، ولا أشك بأن هذا هو الهدف الأسمى الذي تسعى الجامعة إلى تحقيقه وإن كانت هناك أهداف سامية أُخَر.
لم يكن الدعم المادي كافياً لتحقيق الهدف السابق إذا لم توجد رؤية شجاعة يمكنها أن تقلب الموازين البالية للتعليم العالي في البلدان الإسلامية قاطبة، ومحاولة اجتثاث الجذور التي كانت حائلاً دون إبداع العقل العربي، فقد كنا في السابق نضع بذورنا في الأرض البور فلا تنبت شيئاً، وإذا أنبتت فإنها لا تنبت إلا الشيص والحنظل والحرمل، ونحن اليوم نستصلح التربة قبل أن نضع بذورنا فيها لتؤتي - بإذن الله - عقولاً ناضجة قادرة على البذل والعطاء لأنها قد سقيت بنهر العلم والمعرفة.
ليس من قبيل المبالغة أن نقول إننا نعيش في عصر الثورة التعليمية والمعرفية في المملكة العربية السعودية... نعم إنه عصر رعاية العلم والعلماء والموهوبين والمفكرين القادرين على المضي بهذا الكيان الشامخ قدماً، كيف لا وقد ازداد عدد الجامعات السعودية في سنوات معدودة من ثماني جامعات حتى بلغت العشرين؟!، كيف لا وقد أصبح لكل منطقة في أرجاء هذا الوطن الغالي جامعة مستقلة فيما يعرف بتوطين التعليم العالي؟!، كيف لا وقد تم رصد 10مليارات ريال لابتعاث 25ألف طالب وطالبة وذلك ضمن برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي؟! كيف لا وقد تجاوزت ميزانية وزارة التعليم العالي 6مليارات ريال وقد كانت قبل سنوات ثلاث لا تتجاوز 450مليون ريال فقط؟!، كيف لا ونحن نحتفي في هذه الأيام بولادة جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية.. هذه الجامعة التي قرر عبدالله بن عبدالعزيز أن تكون مصنعاً للعقول النيرة التي تحمل لواء النهضة والتطور في هذا البلد المبارك، ومصدراً من مصادر الإشعاع في ميادين العلم والمعرفة.
إن حنو قيادتنا الحكيمة على العلماء، ورعاية عقولهم، واستفزاز طاقاتهم، وتقديم كل ما يحتاجون إليه من الحدب والرعاية، إنه الإيمان المطلق بأن رقي هذه الأمة لن يتم إلا من خلال بوابة العلم وسلم المعرفة، ففرحتنا في هذه الأيام لا تقتصر على وضع حجر الأساس لجامعة الملك عبدالله فحسب، وإن كان لها من المكانة العلمية ما لها، ولكننا اليوم نستبشر بأن الملك عبدالله بن عبدالعزيز قد وضع الحجر الأساس للمعادلة الصحيحة لرقي هذه البلاد وتقدمها ألا وهي تضافر الإرادة السياسية مع العلم والعلماء والمفكرين.
@ استاذ جامعي