توصف القهوة من الناحية الاقتصادية بأنها من أكثر المنتجات الاستهلاكية في العالم بعد النفط، وبأنها من أكبر المواد الغذائية التي يرتبط بها أكبر عدد من المكائن والأدوات لقطفها وتخزينها وتسويقها ومن ثمَّ إعدادها وتقديمها ومن الناحية الاجتماعية بأنها من أهم أدوات تنظيم الوقت، فعلى فنجان القهوة تعقد الاجتماعات وترتب المواعيد، وبهذا يبدأ الإنسان يومه وبها يختمه أما آثار القهوة الصحية من الناحية الطبية فلم تحسم حتى الآن.إلا أن الذي يتفق عليه الجميع هو أن القهوة أصبحت ثقافة وهوية مسلماً بها لدى كثير من الحضارات والشعوب منذ اكتشافها ويوجد اليوم أربعة أنواع أساسية من الثقافات للقهوة أشهرها القهوة المقطرة المعروفة بالقهوة الأمريكية، ثم القهوة الايطالية المركزة المعروفة بالإسبرسو والمنتشرة في أوروبا، ثم القهوة التركية المشهورة في تركيا وبلاد الشام ومصر، وأخيراً القهوة العربية المعروفة في الجزيرة العربية.
ومن الواضح أن القهوة تكتسب قوة انتشارها من قوة الحضارة التي تنتمي إليها، ولا شك أن أكبر رافد لانتشارها هو حجم البحوث والدراسات العلمية التي تجري لتطويرها وصناعة الأدوات والمكائن الخاصة بها، ويعقد سنوياً معارض دولية خاصة بشركات تصنيع القهوة لتعرض آخر مبتكراتها مثل معرض النمسا ومعرض ألمانيا وغيرهما.ولا شك أن شهرة القهوة الأمريكية وانتشارها عالمياً يعود إلى قوة هيمنة الشركات الأمريكية على مزارع البن في العالم ومن ثمَّ تسويقها عن طريق توزيع المكائن الخاصة بها وتنوعها أو انتشار المقاهي التي تقدمها بطريقتها مثل دانكن دونات أو عن طريق تبسيط تحضيرها من خلال القهوة السريعة الذوبان الموجودة في محلات البيع بالتجزئة.
أما ثقافة الإسبرسو وما يتبعه من الكابتشينو واللاتيه فقد انتزعها الأمريكان من الايطاليين وأعادوا تسويقها بطريقتهم الخاصة عن طريق شركاتهم مثل ستاربكس حتى أصبحت ثقافة موازية لثقافة القهوة الأمريكية ومرتبطة بهويتها.
أما القهوة التركية، فلم تغادر موطنها منذ نشأتها إلا في حدود ضيقة التطوير الذي أدخل عليها لا يزال محدوداً في إطار نكهات إضافية، أو مكائن محدودة لم تستطع أن تحل محل إعدادها بالطريقة التقليدية حتى الآن، والقهوة العربية ليست بأحسن حظاً من القهوة التركية، إن لم تكن الأسوأ لأن هويتها تعرضت للجمود وللتهوين من شأنها، وحتى نعرف كيف يصنع الاسم انظر مثلاً إذا دخلت بعض الفنادق من الدرجة الأولى فما دون، أو المطاعم فإنك تجد القهوة العربية تقدم في أسوأ حال، وبالمجان، ومرتبطة باردأ أنواع التمور.
وإذا تقدمت قليلاً وأخذت مكانك في الجلسات المريحة تجد القهوة الأمريكية والإسبرسو وكذلك القهوة التركية تقدم بطريقة أنيقة وبأسعار مضاعفة ألا يدل ذلك على قدرة الشركات على صناعة الهوية والثقافة والمحلية وفرضها على المجتمعات في بلدانهم وإدخالها في بيوتهم، بينما ما تزال هويتنا تمحى بأيدينا.
والأغرب من ذلك أن الشركات والمؤسسات السعودية والخليجية إذا دخلت مجال تقديم القهوة فإنها تدخله كرافد من روافد الشركات الأمريكية الرائدة ومقلدة لها في نظامها وفي مشروباتها العربية، ولا يوجد فيها من السعودية مثلاً إلا رأس المال أما الثقافة والهوية فهي ما تزال أمريكية خالصة غير معدلة ولا مطورة.
فهل يأتي اليوم الذي نرى فيه شركة سعودية أو خليجية تعيد تراث القهوة العربية وتقدمه على أصوله وتسعى لتطويره وتسويقه لتنافس به القهوة الأمريكية والأوروبية وتقدمه لتلك المجتمعات في بلدانهم وتدخله في بيوتهم.لا استبعد ذلك لأن لدينا نماذج مشرفة من الشركات السعودية التي استطاعت أن تحول ثقافتها المحلية إلى صناعة متطورة مستفيدة من تقنيات العصر ومفهوم التحضر فكانت بداية بلورة لشركات محلية رائدة وملهمة لغيرها في تصنيع وتسويق الثقافة المحلية ومن أمثلة الشركات التي استطاعت أن محلية ورؤية واضحة وتنتظر دور التوسع والانتشار الخارجي، شركة اتحاد الصالحية للتمور، وشركة الدفة للثياب الجاهزة وغيرهما.
alshaqir@yahoo.com