أصدرت الإدارة العامة لتدوين ونشر الأحكام التابعة لوزارة العدل باكورة إصداراتها، تحت إشراف معالي وزير العدل د. عبدالله بن محمد آل الشيخ ونخبة من الخبراء الذين اضطلعوا بجهد مشكور لإخراج هذا العمل، الذي كان ينتظره العاملون في ميدان العدالة من قضاة ومستشارين وباحثين، كما يكون عوناً لهم على تلمس الأحكام الموافقة للقواعد والمبادئ الشرعية الحاكمة لها، بهدف نشر الوعي القضائي، وتحقيق مبدأ علانية الأحكام المكفول بموجب نص المادة الحادية والستين من نظام المرافعات الشرعية، وهذا المبدأ يكفل حسن الأداء ويؤكد نزاهة وحيدة القضاء، ويبث الثقة والطمأنينة في نفوس المتقاضين، وقد جاءت هذه الخطوة الهامة بعد طول انتظار تحقيقاً لمقتضى نص المادة (89) من نظام القضاء الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/ 64وتاريخ 1395ه التي خولت استحداث إدارة بوزارة العدل يكون من مهامها إعداد مجموعات الأحكام المختارة للنشر.
وقد قسمت المدونة إلى قسمين:
الأول: قرارات مجلس القضاء الأعلى.
الثاني: الأحكام النهائية الصادرة من المحاكم.
وتحت قرارات مجلس القضاء الأعلى وردت المسائل التي أحيلت إليه، أو تلك التي أعقبت التماس المحكوم عليه لجهات رسمية بإعادة النظر في نزاع ما، ورصدت فيها المدونة لتسعة قرارات صنفت تحت تصرفات عقارية (تثبيت ملكية - حق انتفاع) ومطالبات مالية (قرض ربوي - اختلاس).
أما بالنسبة للاحكام النهائية الصادرة من المحاكم فبلغت تسعة وثلاثين حكماً تناولت العديد من المشكلات التي نظرتها المحاكم في فترات سابقة، وأصدرت فيها أحكاماً نهائية في ضوء المادة 192من نظام المرافعات الشرعية ومنها:
1- الأحوال الشخصية وقضايا الأسرة من (نفقة ومعاشرة وحضانة وعضل وطلاق وخلع وفسخ نكاح).
2- قضايا الأراضي من (إخراج الاستحكام وتقرير حقوق الارتفاق).
3- قضية إعسار.
4- قضايا حوادث السيارات وما ترتبه من التزامات.
5- قضايا جزائية مثل المساس بسلامة الجسد، والإبلاغ الكاذب والسرقة مع التعدي والقتل وحيازة المخدرات.
6- قضايا العقار ومنها (المطالبة بشأن مساهمة وسعي الوسيط وتسليم الأعيان المؤجرة والإيجار وبيع المنفعة والملكية وخلافه).
7- النظارة والوقف.
8- المطالبات المالية (شيك - استيراد ثمن سيارة - توريد - اتعاب وكيل).
ولما كانت المدونة هي الإصدار الأول وتوخت بعض الأهداف منها عرض مخرجات القضاء للعموم بغية نشر الوعي القضائي إلا أنه وردت عليها بعض الملاحظات التي تنطوي على تقليل هذه الميزة منها:-
أولاً: لم تضع المدونة الأحكام تحت عناوين موضوعية متجانسة (تبويب) فجاءت أحكام الأسرة مبعثرة بين الأحكام الخاصة بالتصرفات العقارية ومنازعات المنفعة وتخللهما أحكام متعلقة بالنظارة والوقف وحوادث السيارات مما يجعل البحث عن موضوع بعينه ليس سهلاً، فكان يحسن أن تعتمد المدونة أسلوب التبويب الذي اعتمدته في نهاية المدونة في (كشاف الموضوعات)، حيث وضعت كل مجموعة أحكاماً مرتبطة ببعضها ومتشابهة نوعياً في مجموعة مستقلة فجاءت أحكام الأسرة أولاً ثم تلتها غيرها وهكذا.
وهذا وإن كان مفيداً في تسهيل البحث على الباحث فإنه يفيد أيضاً في وضع المبادئ الشرعية الحاكمة للمسائل الموضوعية المتشابهة كقضايا الخلع أو النفقة أو الإيجار وخلافه.
ثانياً: اتسمت بعض الأحكام الواردة في المدونة بالقصور في التسبب وعدم ذكر تفصيل حيثيات الحكم التي تجعل منطوقه من حيث نتجيته موافق لأصوله الشرعية، بما يجعل الخصوم ينحون في صياغة أسباب اعتراضهم جانب العمومية وعدم التحديد. كأن يذكر الطاعن أن الحكم خالف الثوابت الشرعية والأنظمة دونما يذكر موطن المخالفة.
ثالثاً: لم تشر المدونة في الأحكام التي لم يقنع بها خاسروها وطعنوا عليها إلى الأسباب الموضوعية التي حملتهم على طلب تمييز أحكامهم وما هي العيوب التي شابتها؟ فكان يحسن أن يشار إلى الأسباب التي ينعاها الطاعن على الحكم المطعون فيه كالتفاته عن دفاع موضوعي أبداه أو إهداره حقاً يكفله له نظام المرافعات، ليعلم مدى وجاهة أسباب الطعن وانسجامها مع ملاحظات هيئة التمييز.
رابعاً: خلت المدونة من نوعيات كثيرة من القضايا والمشكلات المستمرة والمنتشرة في الحياة اليومية للناس كمشكلات الرهن العقاري، والشفعة وبعض الدعاوى العقارية المستعجلة، وعقود التأمين التعاوني، وعقود التمويل المجازة شرعاً، لا سيما وأن بعض المصارف قد وفق أوضاع بعض معاملاته وفق فقه المعاملات الشرعية (التورق - وبيوع التقسيط - والمتاجرة الشرعية في السلع) ويشرف عليها بعض العلماء، وتقع نوعياً تحت ولاية المحاكم.
خامساً: لوحظ في كثير من الأحكام الصادرة عقب العمل بنظام المرافعات الشرعية الصادر عام 1421ه عدم الاستشهاد به من قريب أو بعيد في مواضع كان يجدر الإشارة إليه فيها مثل أحكام الإدخال والتدخل في الدعوى المنظم بموجب المادة 75وما بعدها، على الرغم من أن وجود النظام واستمراره رهين بموافقته نص المادة السابعة من النظام الأساسي للحكم التي تجعل الشريعة الإسلامية مصدراً أساسياً لجميع الأنظمة المطبقة في المملكة العربية السعودية، وهو النظام الذي تولد وتكتمل في كنفه الدعوى من وقت تحريرها وقيدها مروراً بإحالتها وتبليغها وتحقيقها والحكم فيها واكتساب حكمها القطيعة وتنفيذه اختياراً أو جبراً.
سادساً: أن هناك من الأحوال التي حددها نظام المرافعات الشرعية في المادة التاسعة والتسعين بعد المائة يكون الحكم فيها مشمولاً بالنفاذ المعجل طليقاً من قيد الكفالة أو مقيداً بها، أو على القاضي سلطة تقديرية في هذا الصدد، ومع ذلك أغفلت بعض الأحكام التي تناولت هذه الأمور منح رخصة هامة يمنحها النظام للمحكوم له.
وأخيراً بقيت كلمة وهي أن الشريعة الإسلامية تسع كل المشكلات التقليدية والمعاصرة وتوجد بها نظريات عظيمة أخذت بها نظم قانونية أخرى، ولا شك أن استقرار المعاملات والمراكز القانونية لأطراف علاقة ما يستلزم تقنين وتدوين القواعد الشرعية المنظمة لها، ليستبين كل طرف ما له وما عليه في ظل هذه القواعد. لا سيما وقد تعاظمت التعاملات الاقتصادية وتداخلت فيها أنماط لم تكن موجودة من قبل. هذا ولله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
محمد عبدالعال أبو إسماعيل
مستشار قانوني