المستهلك ... ولهيب الأسعار
حالة من الغلاء والتصاعد في الأسعار، نستطيع أن نصفها بالعمومية إذ ألمت بأسواقنا، وعمت أسواق المجتمعات المجاورة لنا، ليست قضية موسمية تتصارع فيها الآراء في وقت معين من السنة، بل باتت قضية مهمة متعددة الجوانب ناقشتها وسائل الإعلام في تقاريرها وبرامجها، وافترق الناس فيها بين محلل اقتصادي ومتقصٍ للأسباب، وبين منادٍ بصوت اجتماعي قد اكتوى بلهيب الأسعار، تعضدها نداءات حقوقية تنطلق بصوت حقوق الإنسان، منادية بالحفاظ على حقوقه الحياتية من هذا الجشع التجاري .
ولا أستمد مداد قلمي لنسج هذا المقال من بحر النظريات والآراء الاقتصادية، ولكن مداده مزاج من نظرة قانونية تلتحم في وئام مع الصوت الاجتماعي . إن الأمن المعيشي الذي أعني به هنا : الأمن الاقتصادي الاجتماعي، لا يخفى على كل مطلع أنه من الأسس المهمة التي ينبني عليها ثبات واستقرار المجتمع، فإذا توفرت للفرد مستلزماته الحياتية الضرورية بمقابل مادي ثابت غير مبالغ فيه، وفي ظل رقابة تحفظ حقوقه كمستهلك، سيكون حينها بعيداً عن الهموم المعيشية التي تغلغلت هذه الأيام في حديث الناس .
إن اقتحام هذا التضخم المعيشي لأفراد المجتمع، وإقحامهم في أروقته، قد يفضي بمن ضاق منهم ذرعاً إلى ممارسات سلبية مخالفة للقانون، أو تفضي بهم إلى إشكاليات صحية، وغيرها من الآثار التي قد تنتج عن هذا الاعتلال الاقتصادي العالمي .
إن ذلك الثبات المعيشي قد قرره المعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فتضمنت مواده الحفاظ على المستوى المعيشي والصحي المربوط بالجانب الاقتصادي . إضافة إلى ما تناولته مواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948م، من ضرورة مراعاة الجوانب والحقوق الضرورية الاقتصادية، والاجتماعية والثقافية، لأفراد المجتمع .
ما نعايشه من تضخم في أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية جاء في الوقت الذي ينطلق فيه قطار التعليم في رحلة سنوية جديدة، مزامنة لمقدم شهر رمضان المبارك، وما تفرضه عادة المجتمعات العربية من مستلزمات خاصة به، مما جعل كثيرا من الأسر في مجتمعنا والمجتمعات التي طالها ذلك الغلاء، في صراع مع جشع الأسعار . وبقي المستهلك مُستهلكاً قابعاً بين سندان غياب الثقافة الحقوقية للمستهلك ومطرقة لهيب الأسعار. حتى طالعتنا الصحف باجتراء بعض أصحاب المحال التجارية على فرض أسعار جزافية لبعض السلع، محتجين بركوب موجة تضخم الأسعار .
وتشير الإحصاءات في مجتمعنا إلى أن الرقم القياسي العام لتكلفة المعيشة خلال شهر يوليو 2007م مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي قد ارتفع بنسبة 3.8% . ويعتبر هذا في حد ذاته مؤشراً مقلقاً يدعونا إلى البحث بجد عن الحلول، خاصة في ظل زيادة عدد أفراد المجتمع، وما يرتبه من زيادة في المواد الغذائية والاستهلاكية، ويأتي هنا الدور القانوني لحماية المستهلك، الذي لم يغفل عنه القانون السعودي.
حيث أشرق هذا الجانب بما قرره مجلس الوزراء الموقر في يوم الاثنين 1428/6/18ه . فقد قرر (قيام كل من وزارة الشؤون البلدية والقروية ووزارة الزراعة ووزارة التجارة والصناعة ووزارة الصحة والهيئة العربية السعودية للمواصفات والمقاييس والهيئة العامة للغذاء والدواء ومصلحة الجمارك كل جهة بحسب اختصاصها بتعزيز دورها في مجال حماية المستهلك وتفعيله) .
ونحن أمام هذا اللهيب للأسعار نحتاج إلى تفعيل الحماية القانونية للمستهلك من قبل الجهات المسؤولة، والمسارعة إلى إنشاء جمعية لحماية حقوق المستهلك، تعمل على تثقيف أفراد المجتمع حول حقوقهم القانونية كمستهلكين، ورعاية مصالحهم، وتمثيلهم وتبني قضاياهم الحقوقية الاستهلاكية أمام الجهات المعنية، لعل في ذلك إخماداً للهيب الأسعار، التي أصبحت كالأسنة وما حيلة المستهلك إلا ركوبها.
@ باحث القانوني
huresen@alriyadh.com