من المقرر شرعاً أن الأصل في الدية مائة من الإبل، وذلك باتفاق الفقهاء - رحمهم الله - لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن في النفس مائة من الإبل".
وجمهور الفقهاء يُقسِّمون القتل إلى ثلاثة أقسام: عمد، وشبه عمد، وخطأ، أما الإمام مالك - رحمه الله - فإنه يقسم القتل إلى قسمين: العمد - وأدخل معه شبه العمد - والقسم الآخر الخطأ.
وعقوبة القتل العمد مُغلظة في الشريعة الإسلامية وهي القتل قصاصاً أو الدية - فيما إذا تنازل أولياء الدم - إذ يقول الله تبارك وتعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيءكُمُ الءقِصَاصُ فِي الءقَتءلَى الءحُرُّ بِالءحُرِّ وَالءعَبءدُ بِالءعَبءدِ وَالأُنءثَى بِالأُنءثَى فَمَنء عُفِيَ لَهُ مِنء أَخِيهِ شَيءءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالءمَعءرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيءهِ بِإِحءسَانٍ ذَلِكَ تَخءفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمء وَرَحءمَةٌ فَمَنِ اعءتَدَى بَعءدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (البقرة آية 178).
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (مَن قُتِل لَهُ قَتِيلٌ فَهُو بِخَيءرِ النَّظَرَيءنِ؛ إمَّا أنء يُفءتَدَى، وإمَّا أنء يُقِيدَ).
وأجاز الفقهاء - رحمهم الله - الصلح في القتل العمد بأقل من الدية أو أكثر؛ إذ أن الدية في القتل العمد غير متقررة، فما نراه اليوم من مزايدات من بعض أولياء الدم الذين يطلبون مبالغ باهضة مقابل التنازل عن دم مورثهم، لا مانع منه شرعاً، إذ هو صلحٌ على أكثر من الدية وهو جائز إذا كان القتل عمداً، إلا أنه لا ينبغي المبالغة في ذلك، أما القتل الخطأ، والقتل شبه العمد، فالدية مقررة فيه لا زيادة فيها ولا نقص، بل ولو اختار أهل المجني عليه في القتل العمد الدية، لا الصلح على أكثر منها؛ فليس لهم إلا الدية.
يقول الله تعالى في كفارة القتل الخطأ: (وما كان لمؤمنٍ أن يقتل مؤمناً إلا خطأً ومن قتل مُؤمِناً خطأ فتحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ وديةٌ مسلَّمةٌ إلى أهله إلا أن يصَّدَّقوا) (سورة النساء آية 92).
وقد دلت الآية الكريمة على وجوب الدية في قتل الخطأ بالإضافة إلى وجوب تحرير رقبة مؤمنة (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان اللهُ عليماً حكيماً) (سورة النساء: 92).
إلا أن الله تعالى لم يعيّن في كتابه الكريم مقدار الدية؛ فجاءت السنة النبوية المطهرة ببيان ذلك، و أن الدية مائة من الإبل:
ففي الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن سهل بن أبي حثمة أن النبي صلى الله عليه وسلم: دفع مائة من الإبل دية عبدالله بن سهل الذي اتهم اليهود بقتله ولم يأت أولياء الدم بالبينة التي تثبت ذلك.
وروى مالك في الموطأ عن عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم في العقول أن في النفس مائة من الإبل).
يقول الإمام ابن عبدالبر: هذا كتاب مشهور عند أهل السير، معروف عند أهل العلم معرفة تغني عن الإسناد، لأنه أشبه المتواتر لتلقي الناس إياه بالقبول والمعرفة.
قال القرطبي: (أجمع أهل العلم على أن على أهل الإبل مائة من الإبل. (الجامع لأحكام القرآن (203/5).
وقال ابن قدامة - رحمه الله - في المغني: "أجمع أهل العلم على أن الإبل أصل في الدية وأن دية الحر المسلم مائة من الإبل". (المغنى في باب الديات 531/11)
وروى الشافعي عن ابن شهاب وعن مكحول وعطاء قالوا: أدركنا الناس على أن دية الحر المسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة من الإبل، فقوّم عمر بن الخطاب رضي الله عنه تلك الدية على أهل القرى ألف دينار، أو اثني عشر ألف درهم، فإن كان الذي أصابه من الأعراب فديته مائة من الإبل لا نكلف الأعرابي الذهب والورق. (الأم للشافعي 390/12).
بل ويرى الإمام الشافعي - رحمه الله - أن الأصلَ في الدية الإبلُ، وأنه لا دية من غير الإبل، وأن الألف دينار والاثني عشر ألف درهم التي قوّم بها عمر رضي الله عنه إنما هي مجرد تقويم تجب مراجعته باستمرار ليساير أسعار الإبل في كل زمان ومكان.
ووافقه ابن حزم الظاهري فقال: "والديةُ في العمد والخطأ مائةٌ من الإبل، فإن عدمت فقيمتها لو وجدت في موضع الحكم بالغة ما بلغت من أوسط الإبل... لا تكون البتة من غير الإبل. الحاضرة والبادية سواء".
واستدل ابن حزم بحديث سهل المتفق عليه: "فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة ناقة" المحلى (389/10- 392).
إلا أنه من المعلوم أن الإبل تتفاوت أسعارها من زمنٍ لآخر، والمائة منها اليوم تساوي أكثر من الدية المقررة شرعاً في محاكمنا (مائة ألف ريال)؛ بل ومع التضخم الذي نعيشه والذي وصل إلى مستوى مرتفع يقارب 4% (حسب ما قرره محافظ مؤسسة النقد حسب ما نُشر في إحدى الصحف المحلية)، ودخول شركات التأمين في أسواقنا وما تحققه من أرباح عالية، واستهتار البعض بالأنفس البشرية وخصوصاً أثناء قيادة السيارة بطرقٍ غير نظامية مما يتسبب في وقوع حوادثٍ تزهق بسببها الدماء المعصومة في الشرع، وتجب بسببها الديات.. كلُ ذلك يُحتّم علينا إعادة النظر في مقدار الدية الشرعية اليوم..
فالمائة من الإبل اليوم تساوي على أقل تقدير ثلاثة أضعاف الدية المحكوم بها في محاكمنا اليوم، بل إن الدية المغلّظة - في القتل العمد الذي لا قصاص فيه - تساوي أكثر من ذلك بكثير..
وكلام الإمام الشافعي - رحمه الله - نفيس في هذا الموضع؛ إذ يقول عن الألف دينار والاثني عشر ألف درهم التي قوّم بها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الدية أن ذلك: "مجرد تقويم تجب مراجعته باستمرار ليساير أسعار الإبل في كل زمان ومكان".
ثم.. ما الضابط في كون القتل عمداً، أو شبه عمد، أخطأ، وخصوصاً فيما نراه اليوم من استهتار واضح بالأنفس البشرية والأموال العامة والخاصة من قبل هؤلاء المفحطين وغيرهم من المستهترين بأنظمة المرور وآدابه؟؟
هل من المعقول أن تُزهق الأنفس البريئة التي خرجت من بيوتها آمنةً مطمئنة ثم تلقى حتفها على يد شابٍ مراهق مستهتر جعل من سيارته وسيلة لقتل الأبرياء بعد أن أمنّ عليها، واستخرج وثيقة التأمين لرخصته ومركبته ثم يخرُج من توقيف إدارة المرور - إن كان قد دخله - وجثمان المجني عليه لم يوارى الثرى بعد!!
هل من السياسة الشرعية أن يخرج ذلك القاتل- فور ارتكاب جريمته - بعد أن يقدم وثيقة التأمين لإدارة المرور؟؟..
هل الأنفس البشرية رخيصة لهذه الدرجة؟؟..
إن من الواجب إعادة النظر في معاملة المخالفين لأنظمة السير المستهترين بإشارات المرور وآداب الطريق، وخصوصاً تلك المخالفات التي تترتب عليها إزهاق أنفسٍ بشرية بسبب تهورٍ في القيادة أو عدم استشعارٍ للمسئولية..
كما أن من الواجب أيضاً إعادة النظر في مقدار الدية الشرعية المقررة اليوم، وتشكيل لجنةٍ تضم مختصين من علماء الشريعة والاقتصاد وتشرف عليها وزارة العدل للنظر في هذا الموضوع والخروج برؤيةٍ واضحة مستنيرة، ومواكبة المستجدات التي طرأت اليوم؛ إذ ليس من المعقول أن تبقى قيمة الدية نفسها المقررة قبل أعوامٍ عديدة دون إعادة النظر فيما استجد على أرض الواقع.
عن معمر عن الزهري قال: (كانت الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة بعير، لكل بعير أوقية، فذلك أربعة آلاف، فلما كان عمر غلت الإبل ورخصت الورق، فجعلها عمر وقية ونصفا، ثم غلت الإبل ورخصت الورق أيضاً فجعلها عمر أوقيتين، فذلك ثمانية آلاف، ثم لم تزل الإبل تغلو وترخص الورق حتى جعلها اثني عشر ألفا، أو ألف دينار، ومن البقر مائتا بقرة، ومن الشاة ألف شاة).
(مصنف عبدالرزاق 291/9)
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،،،
@ باحث قانوني
mmahmood@alriyadh.com