بحث



الجمعة 14 شوال 1428هـ - 26 اكتوبر 2007م - العدد 14368

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


دول قزوين وفرص التكامل الإقليمي

عبدالجليل زيد المرهون
    هل تشهد منطقة قزوين ميلاد تكتل سياسي على غرار ما هو قائم بين جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق؟ وهل سيبدأ التكتل القزويني المنتظر بمدخل اقتصادي تلحق به هياكل سياسية وأمنية، كما هي حال رابطة الدول المستقلة نفسها، أم سوف ينطلق سياسياً وأمنياً ثم يُعضّد اقتصادياً، على النحو الذي سارت عليه منظمة شنغهاي.

وقبل هذا وذاك، هل تمتلك منطقة قزوين في الأصل مقومات تشكيل إقليمي خاص بها؟.

وإذا بدأنا بالسؤال الأخير، يمكن القول إن المعطيات الاقتصادية تبدو متماثلة بين دول الإقليم، وبالتالي فإن فرص التكامل الاقتصادي الإنتاجي لا تبدو واضحة، بمدلولها الكلاسيكي المتعارف عليه. ويستثنى من ذلك، بصورة أساسية، قطاع الصناعات الحديثة، الذي يبدو متبايناً على نحو كبير بين دول الإقليم، إن من حيث اتجاهاته أو درجات تطوره.

كذلك، يمكن القول إن التكوين الجيوسياسي للإقليم يختزن معطيات هيكلية دافعة باتجاه التكامل على مستوى الممرات الملاحية والتجارية، بيد أن هذا المدخل يبدو أكثر المداخل صعوبة ووعورة، وذلك بفعل الثمن السياسي الذي يجب دفعه من قبل الأطراف المختلفة. وعلى الأرجح، فإن مثل هذا الخيار قد يكون نتيجة لمسار تكاملي طويل، لا منطلقاً له.

إن التعاون الإقليمي في منطقة قزوين قد ينطلق من قضايا من قبيل تفعيل الجهود المشتركة في مجال حماية البيئة البحرية المهددة، وتطوير تجارة الترانزيت القائمة حالياً، وتعزيز التبادل التجاري بوجه عام، ومنح التعاون العلمي والثقافي أبعاداً مؤسسية أكثر صلابة.

وربما تتوصل دول الإقليم، في السنوات الأولى لانطلاقة تكتلها الإقليمي، إلى اتفاق على تشكيل قوة مراقبة مشتركة في بحر قزوين، حيث إن ذلك يمثل إحدى الضرورات الراهنة، الضاغطة على كافة الأطراف، كما أن خطوة من هذا القبيل سوف تحمل مغزى سياسياً، ورسالة لها مدلولها بالنسبة للمجتمع الدولي.

وقبل ذلك، فإن دول الإقليم معنية بالتوصل إلى إطار قانوني متفق عليه لبحر قزوين وآلية تقسيم الثروات فيه. وقد بدت هذه المسألة موضع خلاف بين دول المنطقة منذ أن انتهت في العام 1991الاتفاقية التي كانت قائمة بين إيران والاتحاد السوفياتي، والتي قسمت ثروات قزوين بين البلدين على أساس المناصفة. وفي الحقيقة، لم يكن ذلك التقسيم سوى تقسيم نظري، إذ إن مناطق الاتحاد السوفياتي كانت تمتد على نحو تسعين في المائة من سواحل قزوين، وكان لموسكو أسطولها البحري الذي لا يضاهيه الأسطول الإيراني من قريب أو بعيد. كما كانت الصناعة النفطية السوفياتية في آسيا الوسطى والقوقاز تتجاوز كثيراً محاولات إيران المتواضعة في قزوين، وحيث رمى الإيرانيون بثقلهم في الخليج العربي.

وتبلغ مساحة بحر قزوين نحو 450ألف كم2، وهو يُعد بالتالي من أكبر البحيرات المغلقة في العالم. أما السواحل القزوينية فتبلغ 6379كم 2منها 640كم 2في الأراضي الإيرانية و 820كم 2في أذربيجان و1900كم 2في كازاخستان، والبقية في روسيا وتركمانستان.وتستوعب بحيرة قزوين نحو 79000كم 3من الماء، ومتوسط عمقها 180م، وتصل أعمق نقطة فيها إلى 1200م بالقرب من السواحل الإيرانية.

وعلى صعيد التفاعلات البينية في منطقة قزوين، لا وجود حتى اليوم لمنظمة إقليمية موحدة في المنطقة، إذ تنتمي روسيا وكازاخستان إلى منظمة شنغهاي للتعاون ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي، في حين لا تنتسب إليهما أذربيجان وإيران، وإن كانت الأخيرة تتمتع بصفة مراقب لدى منظمة شنغهاي. أما تركمانستان فلا تنضم إلى أية منظمة إقليمية أو دولية على الإطلاق، وتعتبر بموجب دستورها دولة محايدة. وتعد جميع دول الإقليم باستثناء إيران أعضاء في رابطة الدول المستقلة. وعلى الرغم من أن الوثائق الأساسية للرابطة تدعو إلى التكامل على أعلى المستويات، إلا أن ميثاقها لا يضع أمام البلدان الأعضاء مهمة تحقيق هدف نهائي، ولا يفرض عليها أية التزامات، سوى الاستعداد للتعاون.وتعتبر "المنظومة الموحدة للدفاع الجوي" للرابطة من أبرز صور التعاون الأمني فيها.

وعلى صعيد التصورات المتداولة للتعاون الأمني في منطقة قزوين، اقترحت كازاخستان في العام 2005تبني معاهدة استقرار، تتضمن وضع آليات لمحاربة الإرهاب وتجارة الأسلحة المخالفة للقانون والهجرة غير الشرعية. وكانت إيران قد طرحت من جهتها فكرة تشكيل قوة بحرية مشتركة للانتشار السريع في قزوين.

ويمثل انعدام الأطر المؤسّسة المشتركة بين دول الإقليم الخمس مشكلة رئيسية أمام عمليات المراقبة البحرية الجماعية، خاصة وأن هذه العمليات تتطلب موافقة الأمم المتحدة.وهناك صعوبات أخرى تتعلق ضمنا بصياغة الصفة القانونية للعملية، وتحديد نظام قيادتها والإجراءات القانونية اللازمة لتفتيش السفن المشتبه بها ونزول فرق التفتيش عليها.وعلى سبيل المثال، لا يحق لقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) وشركائه في برنامج "الشراكة من أجل السلام" تفتيش السفن الأجنبية في مياه البحر الأبيض المتوسط من دون موافقة قبطان السفينة، كما لا تلاحق تلك القوات السفن التي لا تمتثل إلى مطالبها، على نقيض الأسلوب الذي يتبعه حرس الحدود البحري الروسي في مكافحة سرقة الصيد. وتكتفي دوريات الناتو بإشعار الجهات المعنية في الدول المتوسطية بالسفن التي تخالف النظام، فتستقبلها هناك شرطة محلية متعاونة مع الحلف. أما كيف ستجري الأمور في مياه قزوين، حيث قد يتجه مخالف النظام لا إلى ميناء ولكن إلى أدغال قصب يتعذر فيها العثور عليه، فهذه مسألة تتطلب دراسة أمنية موسعة.

وحتى يحين تشكيل قوة قزوين البحرية المشتركة، لا تزال دول الإقليم تسعى إلى تعزيز حضورها الأمني بصفة منفردة، وعلى نحو تنافسي صريح. فقد تقرر تزويد القوات البحرية الروسية في قزوين بسفن حربية فائقة التطور، وذلك قبل العام 2010.ومن جهتها، تعتبر أذربيجان ثاني أكبر قوة بحرية في الإقليم بعد روسيا، وهي قد سعت منذ التسعينيات لتعزيز دورياتها في قزوين، واصطدمت لأكثر من مرة بقوات إيرانية تجوب البحر، وحيث لا تزال الحدود البحرية بين البلدين غير مُرسّمة، ومختلفاً بشأنها على نحو كبير.وقد عملت إيران في السنوات الأخيرة على زيادة وجودها العسكري في قزوين، حيث نقلت إليه عدداً من سفنها الحربية المتواجدة في هرمز، قبل أن تعود وتعزز حضورها في المضيق على خلفية تصاعد الأزمة بينها وبين الولايات المتحدة.

وفي بعض خلفياتها، جاءت الدعوة الإيرانية لتشكيل قوة بحرية مشتركة في قزوين في ضوء زيارة قام بها وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد إلى العاصمة الأذرية باكو في الثاني عشر من نيسان أبريل 2005، تم فيها بحث إنشاء قواعد عسكرية أميركية، تكوين قوة أميركية بحرية تحت مسمى "حراس قزوين".وحسب تقارير إعلامية، فقد شمل البرنامج الأميركي إنشاء مقر قيادة مجهزاً بمحطات رادار حديثة في العاصمة باكو، يمكنها تغطية كافة منطقة قزوين.

وفي أيار مايو من العام 2005، أورد المركز الأميركي - الإسرائيلي للتنبؤات الإستراتيجية (Stratfor) معلومات إضافية مفادها أن الولايات المتحدة وأذربيجان وقعتا خلال زيارة رامسفيلد اتفاقاً ينص على إقامة قواعد أميركية جوية في أذربيجان، تضم أنواعاً مختلفة من المقاتلات الحربية، تنشر في ثلاثة مواقع، تحتوي على مدارج هبوط وإقلاع مُحدَثة طبقا لمتطلبات الطيران الأميركي.

وفي المنظور الواقعي، لا تخفي كل من كازاخستان وأذربيجان وتركمانستان رغبتها في تحديث قواتها البحرية استناداً إلى الخبرة والعون الأميركيين، وحيث تقوم الولايات المتحدة، خلافا لروسيا وإيران، بمساعدة هذه الدول، حيث قررت منح القوات البحرية الكازاخية سفينة تزيد حمولتها على ألف طن، وموّلت برنامجاً موسّعاً لتحديث جميع منشآت كازاخستان العسكرية على امتداد سواحلها الطويلة. كما اقترحت واشنطن على أذربيجان وتركمانستان تقديم مساعدات مماثلة.

وبموازاة معركة الحضور الأمني، تدور معركة أكثر حدة ووضوحاً حول التحكم بمسارات الطاقة النفطية في المنطقة.وتبدو روسيا وإيران قوتين مناهضتين للتوجهات الأميركية والأوروبية الرامية إلى ربط هذه المسارات بصورة مباشرة بموانئ ومحطات خارج دول الإقليم.

وكان قد تم في أيار مايو من العام 2005تدشين خط أنابيب النفط بين العاصمة الأذرية باكو وميناء جيهان التركي، مروراً بالعاصمة الجورجية تبليسي، وحيث بلغت تكلفة الخط ثلاثة مليارات وستمائة مليون يورو.وقُدرت سعته بخمسين مليون طن سنوياً.

وهنا، نجح بناة الخط في تحقيق هدف استراتيجي بعيد المدى بأن جعلوا الوصول إلى نفط قزوين متاحاً للولايات المتحدة وأوروبا، بمنأى عن روسيا وإيران. بيد أن الغرب لم يربح بعد كامل المعركة، إذ لن تستطيع أذربيجان توفير كميات النفط التي صمم الأنبوب لاستيعابها، فالحديث عن احتياطيات كبيرة من النفط في المياه الإقليمية الأذرية قد انتهى عملياً، وبات من المؤكد أن احتياطيات قزوين النفطية تتركز في جزئه الشرقي، وخاصة في المياه الكازاخية.

وحسب تقارير شركة "بريتيش بتروليوم"، فإن حقول النفط في أذربيجان بمقدورها الاستمرار 67عاماً في حال بقاء مستويات الإنتاج على مستوياتها الحالية. أما في حال مضاعفة الإنتاج بمقدار ثلاثة أمثاله بحلول العام 2010كما هو مقرر، فقد يستنفد النفط بعد مرور عشرين عاما وحسب، علماً أن الفترة المقررة لاستعادة نفقات تنفيذ أنبوب باكو- تبليسي - جيهان هي أربعون عاماً.

ويمكن ضمان الجدوى الاقتصادية لهذا الأنبوب في حالة واحدة فقط هي انضمام كازاخستان إليه. وهذا ما يسعى الأميركيون لتحقيقه عبر إصرارهم على مد أنبوب لنقل النفط الكازاخي إلى أذربيجان عبر بحر قزوين.

وخلال الزيارة التي قام بها إلى كازاخستان العام الماضي، حدد ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي مصالح الولايات المتحدة هناك بالقول: ينوي الأميركيون بناء أنبوب لنقل النفط الكازاخي بعيداً عن الأراضي الروسية والإيرانية.

وعند هذه النقطة تحديداً، تتجلى أبرز معالم الصراع الراهن في قزوين، فروسيا وإيران تعارضان على نحو قاطع مد أنابيب في قاع قزوين لنقل النفط أو الغاز، وقد تمكنتا من تثبيت هذا الموقف في بيان القمة القزوينية الثانية، التي عقدت في طهران في تشرين الأول أكتوبر الجاري، وكان ذلك المكسب الأكثر أهمية للروس والإيرانيين في صراعهما مع النفوذ الغربي في قزوين. علماً بأن قضية الأنابيب المقصودة هنا لا تتعلق فقط بنفط كازاخستان، بل كذلك بغاز تركمانستان.

وعلى خلفية رغبتها في تجنب صدام غير محسوب العواقب مع الروس، أعلنت كازاخستان في نهاية المطاف نيتها العمل مع شركات نفطية كبرى على مد خط لتصدير نفطها الخام عبر ميناء نوفوروسيسك الروسي. واتفقت من جهة أخرى مع الصين على مد أنبوب لنقل نفطها إلى الغرب الصيني. وهو بذلك أول أنبوب لنقل النفط الكازاخي لا يمر بالأراضي الروسية.وقد وصلت أول دفعة من الخام الكازاخي عبر هذا الأنبوب إلى منطقة تشينجان الصينية في التاسع والعشرين من تموز/ يوليو من العام 2006.ويبلغ طول الأنبوب نحو 1200كيلو متر، بطاقة سنوية قدرها عشرة ملايين طن.

وما يمكن قوله ختاماً، هو أن جملة تحديات هيكلية سوف تفرض نفسها على مشروع التكامل الإقليمي بين دول بحر قزوين، أبرزها التفاوت النسبي الكبير بين قدرات هذه الدول، وتباين خياراتها الخارجية. كما أن الملف النووي الإيراني سوف يعكس نفسه هو الآخر على مستقبل التعاون بين دول الإقليم.

تعليقان
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 

مزايين


ما ادري الجماعه هناك
عندهم مسابقات مزايين الابل!!!


ابن خلدون
ابلاغ
07:47 صباحاً 2007/10/26

 


والله عندهم ابل افضل مما عندنا ال مره ولا عندهم مزاين ولا خرطى


saidzoher
ابلاغ
11:12 صباحاً 2007/10/26


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية